ابن عبد البر

397

الاستذكار

وقد ذكرنا كثيرا من طرقه بذلك عن يحيى بن سعيد في التمهيد وذكره البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف وساقه بكماله وذكره البخاري أيضا عن أبي النعمان عارم بن الفضل عن حماد بن زيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قال أبو عمر هذا الحديث أدخله مالك في باب قضاء الاعتكاف وهو أعظم ما اعتمد عليه من فقه ومعنى ذلك عندي - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد عزم على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فلما رأى ما كرهه من تنافس زينب وحفصة وعائشة في ذلك وخشي أن يدخل نيتهن داخلة انصرف ثم وفى الله عز وجل بما نواه من فعل البر فاعتكف عشرا من شوال وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان وهو أمر لا خلاف فيه وأما قوله في الحديث آلبر تقولون بهن فمعناه يظنون بهن البر وأنا أخشى عليهن أن يردن الكون معي على ما يريد النساء من الانفراد بالأزواج في كل حين وإن لم يكن حين جماع فكأنهن مع إرادتهن لذلك لم يكن اعتكافهن خالصا لله فكره لهن ذلك وهو معنى قوله في غير حديث مالك آلبر تردن - أو يردن كأنه توبيخ أي ما أظنهن يردن البر وقد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كره لأزواجه الاعتكاف لشدة مؤنته لأن ليله ونهاره سواء قال مالك لم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا بن المسيب ولا أحدا من سلف هذه الأمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن وذلك - والله أعلم - لشدة الاعتكاف ولو ذهب ذاهب إلى أن الاعتكاف للنساء مكروه بهذا الحديث لكان مذهبا ولولا أن بن عيينة وهو حافظ ذكر فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف لقطعت بأن الاعتكاف للنساء في المساجد غير جائز وما أظن استئذانهن محفوظا ولكن بن عيينة حافظ وقد تابعه الأوزاعي وبن فضيل في أن عائشة استأذنته لنفسها وبعضهم يقول إن عائشة استأذنته لنفسها وحفصة في الاعتكاف فأذن لمن استأذنته منهن ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أعلم فيما في نيتهن